الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
24
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اضطهاد الرومان القرطاجنيين لهم . ويجوز أن يكون لأهل كلتا الملتين اليهودية والنصرانية خبرا عن قوم من صالحيهم عرفوا بأهل الكهف أو كانوا جماعة واحدة ادعى أهل كلتا الملتين خبرها لصالحي ملته ، وبني على ذلك اختلاف في تسمية البلاد التي كان بها كهفهم . قال السهيلي في « الروض الأنف » : وأصحاب الكهف من أمة عجمية والنصارى يعرفون حديثهم ويؤرخون به ا ه . وقد تقدم طرف من هذا عند تفسير قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ في سورة الإسراء [ 85 ] . [ 10 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 10 ] إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ( 10 ) ( إذ ) ظرف مضاف إلى الجملة بعده ، وهو متعلق ب كانُوا [ الكهف : 9 ] فتكون هذه الجملة متصلة بالتي قبلها . ويجوز كون الظرف متعلقا بفعل محذوف تقديره : اذكر ، فتكون مستأنفة استئنافا بيانيا للجملة التي قبلها . وأيا ما كان فالمقصود إجمال قصتهم ابتداء ، تنبيها على أن قصتهم ليست أعجب آيات اللّه ، مع التنبيه على أن ما أكرمهم اللّه به من العناية إنما كان تأييدا لهم لأجل إيمانهم ، فلذلك عطف عليه قوله : فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً . وأوى أويا إلى المكان : جعله مسكنا له ، فالمكان : المأوى . وقد تقدم عند قوله تعالى : أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ في سورة يونس [ 8 ] . والفتية : جمع قلة لفتى ، وهو الشاب المكتمل . وتقدم عند قوله تعالى في سورة يوسف . والمراد بالفتية : أصحاب الكهف . وهذا من الإظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال : إذ أووا ، فعدل عن ذلك لما يدل عليه لفظ الفتية من كونهم أترابا متقاربي السن . وذكرهم بهذا الوصف للإيماء إلى ما فيه من اكتمال خلق الرجولية المعبر عنه بالفتوة الجامع لمعنى سداد الرأي ، وثبات الجأش ، والدفاع عن الحق ، ولذلك عدل عن الإضمار فلم يقل : إذ أووا إلى الكهف . ودلت الفاء في جملة فَقالُوا على أنهم لما أووا إلى الكهف بادروا بالابتهال إلى اللّه .